عندما يكون العقل غير هادئ ؟

by sdreams2010


” عقل غير هادئ” سيرة ذاتية عن الهوس والاكتئاب والجنون.

هكذا وصفت د. جاميسون مرضها الذي عاشت حياتها معه، وكذلك درسته بطريقة علمية مُتخصصة.  رغم إن الاسم الشائع للمرض هو: ” الاضطراب الوجداني ثنائي القطب”  ومن الرائع أنها وصفت كذلك صعوبة كتابة ونشر مثل هذه التجربة . وأحببت كثيراً هذا الكتاب الذي امتزجت فيه تجربة واقعية للمرض بدراسة وأبحاث علمية. لا اعتقد أن هناك إخلاص للعلم أكثر من هذا. فسبحان من علم الإنسان مالم يعلم. وسبحان من وفقها لتصبر على آلامها بل وتجعلها مصدراً لإبداعها في الحياة. وشكراً: أ.حمد العيسى  لهذه الترجمة الموفقة.

التعريف بالمرض:

يُصنف هذا المرض بأنه مرض عقلي وراثي، يعاني المُصاب به من نوبات متكررة من الهوس والاكتئاب وفيما بينها تكون فترات من الشفاء. ويُبسطه الخبراء بثلاث كلمات:

  •  الذهان  Psychosis  : وهو اضطراب عقلي خطير يجعل سلوك المرء مُختل ويعوق نشاطه الاجتماعي.
  • نوبة الهوس    Mania : يرتفع فيها المزاج بدرجة غير متناسبة مع ظروف المريض على هيئة ابتهاج وحيوية كبيرين، ويتراوح الابتهاج بين التفاؤل المفرط إلى النشوة وتفخيم الذات ويكاد يصل إلى اهتياج غير قابل للسيطرة عليه. ويكون مصحوباً بزيادة في الطاقة تؤدي إلى زيادة في النشاط وانخفاض في الحاجة إلى النوم. كما أنه قد يؤدي إلى تجاوز اللياقة الاجتماعية ويصعب معه تركيز الانتباه.
  • نوبة الاكتئاب Depression: فتتميز بهبوط حاد في المزاج، انخفاض في الطاقة والنشاط والحيوية إلى حد عدم القدرة على أداء العمل أو القراءة أو الكتابة. مع فقدان تقدير الذاتي وتصبح نظرة المريض للحياة سوداوية ويمثل الانتحار خطراً محتملاً في الحالات الشديدة.

وتبدأ نوبات الهوس في العادة فجأة، وتستمر مابين أسبوعين و أربعة أشهر. أما الاكتئاب فيميل إلى الاستمرار لفترة أطول كمتوسط ستة أشهر. وتؤكد د.جاميسون  بأن العديد من أعظم المبدعين في الرسم، الكوميديا، الموسيقى، الكتابة، والعلم يعانون من الهوس الاكتئابي بنسبة تفوق كثيراً نسبة هذا المرض لدى عامة الناس. ولها كتاب آخر في يتناول هذا الموضوع بالتفصيل.

حياتها قبل المرض:

كان والدها طيار حربي وانتقلت بين أكثر من ولاية أمريكية. عاشت بين أبويها و أخوها وأختها. ثم تصف طفولتها ومراهقتها بأنها كانت سنوات سعيدة زودتها بقاعدة صلبة من الدفء، الصداقة والثقة بالنفس، لقد كانت قوة فعالة مضادة للاكتئاب الذي أصابها لاحقا. كان والداها يشجعانها كثيراً لتجربة كل ماتُريد، ولاهتمامها من مراهقتها بالطب فقد أهداها والداها كتاب عن التشريح رغم صعوبته على سنها في ذلك الوقت. ثم تطوعت في عطلات نهاية الأسبوع للعمل كمساعدة ممرضة في المستشفى. وهناك وجدت التشجيع والاهتمام رغم أنها تصف ذلك الوقت بأنه ” لم يكن مُحبذا عمل المراة كممرضة”. أكدت كثيراً على التأثير الإيجابي لتشجيع أسرتها لها: “بعد تجارب مٌحبطة في الحياة،قيل لي إما أن أخفض من طموحي أو أن أكبح جماح حماسي، وهنا بدات أقدر جداً الاهتمام الذي كان يزودني به والدي وأصدقاؤهما، والآن بدأت أفهم بالفعل الأهمية المفرطة لكون حياتي الفكرية والعاطفية لم تلق الاحترام فقط بل والتشجيع الخلاق.”

تنظر إلى حياتها قبل مرضها تراها بسيطة حالمة. ولو أن شخص ما أخبرها بأنها بعد سنتين ستصاب بالذهان وتتمنى فقط الموت، لضحكت كثيرا وتعجبت وواصلت الحياة.

بداية المرض:

في الصف الثالث الثانوي كانت اول مرة تُصيبها نوبة من ذهان الهوس الاكتئابي. عندما بدأت كان كل شيء سهلا، تقرأ كل شيء، تكتب وتخطط. كان العالم مليء بالسرور والأمل. ولايوجد شيء لاتستطيع إنجازه. حتى أن من حولها طلبوا منها ان تهدأ. ثم بدأت نوبة الاكتئاب فكان كل شيء في حياتها يتدهور. تقرأ القطعة مرة بعد مرة ولاتتذكر شيئ مما تقرأه. كانت تشعر بان لها عقل هامد وقلب ميت. لكنها لم تحصل على مساعدة طبية إلا بعد سنوات طويلة من مرضها.

التعليم:

من المُلهم جداً في قصتها كيف انها واصلت تعليمها، رغم صعوبة ذلك عندما تعود نوبات الهوس والكآبة. واصلت تعليمها بالإضافة لعملها من أجل تغطية نفقاتها نجحت بصعوبة في مرحلة البكالوريوس. وفي أثناء إحدى المحاضرات والتي كانت عن ” علم نفس الشواذ” كانت اول مرة تُفكر بأنها قد تكون مريضة. ذهبت إلى مركز خدمات الطلاب الصحية من أجل طلب مساعدة الطبيب النفسي. وصلت إلى هناك ثم تراجعت.  ثم واصلت دراستها العُليا في علم النفس التجريبي. وهنا لاحظت بأنها تشعر براحة كبيرة أكثر من زملائها عندما تعالج المرضى الذهانيين. أتمت رسالة الدكتوراة عن إدمان الهرويين ونجحت بها. تعينت كأستاذ مساعد في جامعة كاليفورنيا في قسم الطب النفسي. وخلال ثلاثة أشهر من تعيينها كأستاذة جامعية عادت إليها نوبات هوس والاكتئاب بشدة. كانت متزوجة وكان زواجها بدأ بالانهيار.

التشخيص والعلاج:

اتصلت برئيس الأطباء المقيمين في معهد طب النفس العصبي في جامعة كاليفورنيا لتطلب موعدا كمريضة لأول مرة. شعرت بالخوف الخجل والإحراج. سألها عن النوم، التركيز، الطاقة التي تشعر بها،  التواصل الاجتماعي، التعب، النشاط الجنسي، الانفعال والغضب، التهور، الإسراف. سألها طويلاً تلك الأسئلة التي كانت هي تسألها لمرضاها. ثم قال لها بصورة حاسمة: أنها تعاني من الهوس الاكتئابي وتحتاج إلى العلاج “الليثيوم” لفترة طويلة. تصف علاجها بأن لايكتمل إلا بوجود الاثنين: العلاج الدوائي والعلاج النفسي. رغم انها في بعض الأوقات كانت تنكر حاجتها إلى العلاج الدوائي فتتكرر لديها نوبات الهوس والاكتئاب مباشرة. كان للعلاج الدوائي آثار جانبية، كانت تفقد القدرة على التركيز ولاتستطيع القراءة، تعاني من الغثيان والتقيؤ. كانت بمجرد إحساسها بأنها أفضل تُنكر بالمرض لكنه للأسف يعود ويعود في هيئة أكثر عنف. كان العلاج له آثار جانبية سيئة، وكانت تفتقد نوبات ابتهاجها، وحتى بعض الأفكار المثالية التي تربت عليها بانها يجب أن تتدبر أمورها بنفسها . كانت في داخلها تعاني من رعب بأن هذا العلاج ربما لاينجح! وكتب ذلك طبيبها النفسي: ” المريضة ترى بأن الدواء كوعد بالشفاء وكوسيلة للانتحار إذا لم ينجح، إنها تخشى إذا أخذته أنها تكون قد قامرت بالورقة الأخيرة”

ثم وعندما أصابها الاكتئاب كتب طبيبها:

  • ” المريضة تبدو انتحارية أحيانا، ترغب في القفز من أعلى المستشفى”
  • المريضة لاتزال تظهر عليها عوارض خطيرة للانتحار، ترفض دخول المستشفى تماما ولاينطبق عليها قانون كاليفورنيا الإلزامي”
  • ” لديها يأس كامل من المستقبل، خوف من استمرار وتكرار الآلام والمعاناة إلى مالا نهاية”
  • “شديدة الاكتئاب. هادئة جداً” كانت هذه العبارة التي وصفها بها طبيها وكانها هدوء قبل العاصفة، هدوء قبل محاولتها للانتحار. حاولت الانتحار ولكن الشيء الذي لم تخطط له هو أن العقل المُخدر يفكر بطريقة مختلفة عن العقل اليقظ.

الحب:

مع تجاوزها لمرحلة التعليم الطويلة، ثم تميزها المهني، ونجاحها في إدارة عيادة متخصصة لعلاج الهوس الاكتئابي. كل ذلك لم يمنعها من أن تحيا حياة عاطفية طبيعية تمر بزواج طويل ثم طلاق. ثم تلتقي بشخص من بلد آخر تُحبه من أول لقاء ثم تلتقي به مرة آخرى بعد ثمانية أشهر لتعيش تجربة حب خيالية تنتهي بطريقة لم تتخيلها عندما تتلقى خبر وفاته المفاجئ. ثم تتزوج من جديد. هذا الجزء من الكتاب هو أكثر متعة وجمال من أي جزء آخر. تقول د.جاميسون “عندما فكرت لأول مرة بتأليف هذا الكتاب، تخيلته كتابا عن الأمزجة ومرض الامزجة في سياق حياة شخص ما،. ولكن عندما كتبته تحول بطريقة ما ليكون على نحو كبير كتاباً عن الحب. الحب كعامل مؤازر، الحب كعنصر مجدد، والحب كأداة حماية”

اقتباسات :

” المزاج الحاد يجعل الشخص حساسا سريع التأثر بقاتلي الأحلام. وكنت أسعد مما أظن لأني نشأت بين طموحين ومحبين للطموحين “

” عالم يتوقع منك أن تضحي برغباتك وتسيطر على نفسك ورغباتك في سبيله”

” إن الإرادة والعزم والمسئولية هي مايجعلنا أكثر سموا كبشر في وجودنا، لكل عاصفة رهيبة صادفتني كانت أمي بحبها وإحساسها القوي بالقيم تمدني برياح مضادة ومساندة قوية”

“بعد كل مابدا أنه موت في عقلي أو قلبي عاد الحب ليعيد خلق الأمل ويسترد الحياة”

 ” أشك أحيانا إن كانت حياة هادئة وغير هائجة ستناسبني.. ومع ذلك أتوق إليها أحيانا”

“إلى أي مدى يمكن لمشاعرنا أن تأخذ صفاتها وهي تهبط إلى القاع؟”

” يصعب على أي إنسان يعاني مرضا مزمنا او غير مزمن أن يستمر بتناول الدواء تماما كما وصف لها فبمجرد تحسن أعراض المرض يصبح الأمر أكثر صعوبة”

“علم الفينومينولوجيا: هو طريقة جديدة لوصف الوعي أو الشعور وتحليله”

” في عالم يزداد تافهة يبدو هو كالفرص الأصيل”